صديق الحسيني القنوجي البخاري

601

فتح البيان في مقاصد القرآن

عنه أنهم يزيدون بضعة وثلاثين ألفا . وكذا روي عن الحسن وروي عن ابن عباس : أنهم يزيدون بضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير : سبعين ألفا ولا يتعلق بالخلاف في هذا كثير فائدة . فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أي وقع منهم الإيمان بعدما شاهدوا أعلام نبوته فمتعهم اللّه في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ، ومنتهى أعمارهم . ولما كانت قريش وقبائل من العرب يزعمون أن الملائكة بنات اللّه أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم باستفتائهم على طريقة التقريع والتوبيخ فقال : فَاسْتَفْتِهِمْ أي استخبرهم يا محمد . أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أي كيف يجعلون للّه على تقدير صدق ما زعموه من الكذب أدنى الجنسين ؟ وأوضعهما وهو الإناث ولهم أعلاهما وأرفعهما وهم الذكور ، وهل هذا إلا حيف في القسمة لضعف عقولهم وسوء إدراكهم ؟ ومثله قوله : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى [ النجم : 21 ، 22 ] ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال : أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في التبكيت والتهكم بهم ، أي كيف جعلوهم إناثا وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم ، وهذا كقوله : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ [ الزخرف : 19 ] فبين سبحانه أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة ، ولم يشهدوا ولا دل دليل على قولهم من السمع ، ولا هو مما يدرك بالعقل حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم ثم أخبر سبحانه عن كذبهم فقال : أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ استئناف من جهته تعالى غير داخل تحت الأمر بالاستفتاء مسوق لإبطال مذهبهم الفاسد ببيان أنه ليس مبناه إلا الإفك الصريح ، والافتراء القبيح من دون دليل ولا شبهة دليل ؛ فإنه لم يلد ولم يولد ، قرأ الجمهور : وَلَدَ اللَّهُ فعلا ماضيا مسندا إلى اللّه وقرىء : بإضافة ولد إلى اللّه على أنه خبر مبتدأ محذوف ؛ أي يقولون : الملائكة ولد اللّه ، والولد بمعنى مفعول يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ، ثم كرر سبحانه تقريعهم وتوبيخهم فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 153 إلى 165 ] أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 157 ) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 ) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 ) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ( 161 ) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 ) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ قرأ الجمهور : بفتح الهمزة على أنها للاستفهام